محمد جواد مغنية

19

التفسير الكاشف

هل الفساد طبيعة في الملوك ؟ ( قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وكَذلِكَ يَفْعَلُونَ ) . تطلق القرية على المدينة وعلى بلدة ريفية ، وشرح بعض المفسرين الجدد هذه الآية بقوله : فهي تعرف ان من طبيعة الملوك إذا دخلوا قرية أشاعوا فيها الفساد ، وحطموا الرؤساء وجعلوهم أذلة ، وهذا هو دأبهم الذي يفعلونه . والحق ان الفساد ينتشر في الأرض بمقدار ما للمجرمين من قوة ، ويتضاعف كلما تضاعفت مقدرتهم عليه ملوكا كانوا أو غير ملوك ، وإنما خصت الآية الملوك بالذكر لأنهم أقوى وأقدر من غيرهم . . إن شخصية المجرم تختفي وراء ضعفه ، وتظهر مع قوته . . فمن الخطأ أن نحدد شخصية الضعيف من خلال تصرفاته . . فقد اشتهر البعض في زماننا بالتقى والصلاح قبل أن يتولى الرئاسة ، ولما أخذ نصيبه منها التصقت به تهم لا تمحوها الأيام . . نسأل اللَّه الهداية لنا وله . وبهذا يتبين معنا ان صفة الفساد لا تختص بالملوك ، ولا هي من طبيعتهم ، وإلا استحال وجود العدل والصلاح فيهم ، وانما هي من طبيعة القوي المجرم ، سواء أجاءت قوته من المال أو الجسم أو العقل أو من منصب زمني أو ديني : ولا رادع للمجرم القوي إلا الدين . قال الإمام علي ( ع ) : قد يرى الحوّل القلَّب وجه الحيلة ، ودونه مانع من أمر اللَّه ونهيه ، فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها ، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين . الحوّل القلَّب هو البصير بتحويل الأمور وتقلَّبها ، والحريجة التحرز من الإثم . « وإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ » . أرجع الوزراء والمستشارون إلى الملكة أمر السلم والحرب ، وقبل أن تبت بشيء رأت أن ترسل إلى سليمان هدية ، فيها كل غال وثمين ، ثم تنظر هل يقبلها أو يرفضها ؟ فإن قبلها فهو طالب دنيا ، لا طالب دين ، يمكن مصانعته بالمال ، وان رفض الهدية وأصر على أن نأتيه مسلمين فهو من أصحاب المبادئ والرسالات الذين لا يساومون